شيماء جلهوم تكتب: ميلاد الذكريات..كنت طفلة في التسعينات
كنت طفلة في التسعينات..مقال “١”
لم أكن كأي طفلة ولدت مع مطلع الثمانينات من القرن الماضي، لا أحمل ذكريات لطيفة عن بيت “ستي” مثلا، ولا عن ذلك الترابط العائلي الرائع، لا أملك ذاكرة جسدية عن حضن احتوى طفولتي، كنت أحمل قصة مختلفة عن طفلة يتيمة، مات والدها بالحمى الشوكية قبل ميلادها بشهرين، تلك اللحظة التي غاب فيها الأب عن الحياة، كانت ذاتها لحظة توقف الحياة في كل ماهو قادم لطفلة لم تأت بعد.
“الإنسان بيتصور أنه بينسى، لكن الحقيقة لا، مفيش نسيان ابدا، كل موقف وكل ذكرى وكل عاطفة بتبقى ضمن المخزون في عقل الإنسان، ثم تظهر هذه الذكريات المخزونة في زلة لسان أو نوبة غضب، أو حلم عابر ذات مساء”
ما قاله الكاتب، مصطفى محمود، هو تحديدا ما حدث معي قبل أيام قليلة، حين تداعت ذاكرتي بكل أحداث طفولة كنت اعتقدت أنها مرت، وانتهت، لكن فجأة ظهرت أشباح بعيدة تتراقص أمام عيناي، تعيد لي ذكريات كانت حينها ثقيلة وصعبة، ثم مرت الأيام وصارت نوستالجيا يتذكرها البعض بطعم الحنين، ويود آخرون لو أن تعاد، لكن أنا لا أود للتسعينات أن تعود.
قبل عصر “اللهم بارك” تحكي لي والدتي اني حين ولدت كنت طفلة من الجنة، ولدت بيضاء كالثلج، بشعر أسود كثيف وعينان سوداء مفتوحتان للعالم، رأتني إحدى القريبات يوم الولادة فأخبرت عني..”سعدية خلفت بنت محدش خلفها”.
كنت أحمل ميراث من الحزن المكتوم في رحم امي، ورغبة مبكرة في مغادرة العالم انتهت بليالي طويلة بالمشافي لعلاج حساسية الصدر القاتلة التي لم تتوقف نوباتها إلا عند سن المدرسة.
في الصور التي تبقت لي من هذه المرحلة، رأيت أمي حزينة لكنها رغم ذلك كانت تبتسم، تحملني على صدرها ويقف بجانبها شقيقتي وشقيقي، ثلاثة أطفال يواجهون العالم مع أم عاندها القدر فاعطاها أما قاسية واشقاء كالحجارة أو أشد قسوة، ثم منحها القدر ابتسامة خفيفة في حياتها مع أبي التي استمرت ل٦ سنوات فقط، ثم تركها لتواجه وحدها ما سيجلبه لها العالم.
حين ولدت لم تكن أمي ترتدي الحجاب، ففي ذلك الوقت من منتصف الثمانينات وحتى مطلع التسعينات، لم يكن الشعر سببا للفتنة، ولم يكن حجاب النساء هو سبب الغلاء، ولم يعرف المصريون الحجاب بشكله الحالي، لكن فقط كان هناك احتشاما، رأيته في أغلب نساء حينا الفقير، مسلمين ومسيحين، إيشارب للرأس مربوط من طرفيه للخلف، و احتشاما آخر للنساء الأكبر سنا أو الأكثر قدرة، هو ما يعرف ب “البونيه” وهو قريب الشبه بالتربون الحالي.
ثم ارتدت امي الحجاب، طرحة بيضاء مرسلة على صدرها، لا أزال اتذكر حريرها الثقيل، ومثيلتها ذات اللون الازرق الباهت، طرحتان فقط هما ما ذخر بهما دولاب امي من حجاب، في تلك المرحلة من الزمن لم يكن ارتداء الحجاب أو عدمه يثير الأنتباه والاقاويل، لكن كان الأمر فقط يستلزم بطاقة عائلية جديدة بعد ارتداء “الطرحة”، وهنا كانت المرة الأولى التي أرى فيها كاميرا، في ذلك المكان الذي كان لطفلة صغيرة مولعة بالتفاصيل أشبه بمغارة علي بابا وكنا نسميه ” استديو جانتي للتصوير”.
يتبع كل خميس