السيسي والميركافا
أحمد عابدين
ضجت مواقع التواصل الاجتماعي في القاهرة وتل أبيب تعليقاً على صورة للرئيس المصري أثناء زيارته للأكاديمية العسكرية وهو يشاهد أحد الضباط يشرح نقاط ضعف بعض الأسلحة الإسرائيلية (الدبابة ميركافا، والنظام الدفاعي Trophy)، في الوقت نفسه الذي كان رئيس جهاز المخابرات العامة في زيارة إلى إسرائيل في مسعى لإتمام صفقة تبادل أسرى، زيارة من خلفها علاقات توطدت وتطورت بين الدولتين منذ اللحظة الأولى لنشأة النظام المصري الحالي، وبين صورة الميركافاة وزيارة الوزير ضاع الكثيرون في التحليلات.
إن فهم تعقيدات العلاقات بين مصر وإسرائيل يتطلب أولاً فهم التعقيدات داخل المكون المصري نفسه، والتي تبدأ بشعب لا تزال غالبيته المطلقة تعتبر نفسها جزءً أصيلا من القضية الفلسطينية، ولا نبالغ إذا قلنا إن حسه الوطني لم يتحرك قيد أنملة بعيداً عن عام 1948، حيث لا يزال يرى في إسرائيل كيان استعماري يحتل جزء من وطنه الأكبر، ولا تزال كما هي عدواً صريحاً له، بل وجزء غير قليل لن يتردد في التطوع لمواجهته إذا سنحت الفرصة.
هي مصر نفسها التي حكمتها وتحكمها أنظمة سياسية متعاقبة، توارثت البرجماتية والنفعية، حتى ورثها نظام أكثر براجماتي من خيال المصريين، يعيش في عالم 2024 النيو ليبرالي، ذلك العالم الذي يطغى فيه الدولار على كل القيم والمبادئ. تلك البرجماتية التي جعلت من بعض المسؤولين الكبار ورجال الأعمال يشاركون بكل أريحية رجال أعمال وأجهزة ومؤسسات حكومية إسرائيلية في تجارة ومشاريع وبيزنس دون أن يمثل هذا لهم أدنى مشكلة قيمية أو أخلاقية أو وطنية. مبررون ذلك بمعاهدة السلام التي يقولون بأنها أزالت ما بين الدولتين من عداء. يمتد ذلك الخيط إلى أن يصل إلى نقطة الانتفاع والتربح المالي المباشر من المذبحة الحادثة في قطاع غزة، الذي ينظرون إليها كصراع بين جهتين على حدودنا، فلم يتورعوا بأخذ أموال من الفلسطينيين الذين يحاولون النجاة من عملية الإبادة والتطهير العرقي الجارية منذ قرابة سبعة أشهر وسط صمت قبور من القريب والبعيد.
وهناك مؤسسة عسكرية، كبيرة الحجم والقيمة والمكانة والأهمية، كبيرة من الداخل بالدرجة التي تضم هذا وذاك، تضبط مشاعر وحماس غالبية أفرادها ونفعية وأطماع بعض قياداتها تنظيم وانضباط وقوانين وكذلك علاقات ونفوذ وتراتبية في المناصب والمسؤولية. كذلك هي كبيرة من الخارج أمام الدولة والعالم بالدرجة التي تلزمها بحدود وضوابط ومعاهدات واتفاقيات دولية صارمة، أهمها وأكثرها حساسية وخطورة معاهدة كامب ديفيد واتفاقيات السلام مع إسرائيل منذ عام 1978.
كل هذه التناقضات في المجتمع الواحد تنعكس على العلاقة بين مصر وإسرائيل، فمصر الرسمية لطالما نظرت إلى إسرائيل كونها عامل مهم في العلاقات الدولية، وخاصة في العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، شرطي العالم بشكل أوضح، التي تفرض نفوذها على الغالبية العظمى من المصالح والأزمات فوق كوكب الأرض، وقد استفادت كثيرا من هذه العلاقة بشكل واضح ومتكرر منذ توقيع المعاهدة، ليس أقلها أكثر من 100 مليار دولار من المساعدات الأمريكية.
فماذا جاء بصورة الميركافا الآن؟

منذ بداية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر الماضي، تأرجحت أشكال التعامل المصري مع ما يحدث في غزة، بدرجة تأرجح تلك العلاقات المعقدة، بداية من الفرح الشعبي بعملية اجتياح كتائب القسام الفلسطينية للحدود نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى السخط والغضب والحزن الشديد على عملية الإبادة المستمرة، وقلة الحيلة تجاهها. ومحاولات عسكرية صارمة لضبط الحدود والتعامل مع الموقف بشكل منضبط يلتزم بكل تفصيلة وبند في الاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق الدولية، حتى تلك التي كانت سبباً مباشراً في حدوث مجاعة حقيقية ومأساة إنسانية متكاملة لأهل غزة، بل والتغاضي أحياناً عن استفزازات إسرائيلية تجاهها، أو التماهي مع كثير من الجنون الذي انتاب النظام الإسرائيلي، وتفضيل التعامل مع الوضع رسمياً على أنه “منطقة حرب” على الحدود، بدلاً من التعامل معه على أنه منطقة أزمة إنسانية تفرض استثناءات على المعاهدات والاتفاقيات، والذي ربما يكون سببه الرئيسي هو الشراكة الأمريكية الكاملة في الحرب والإبادة.
ومنذ بداية الحرب ووضعت مصر الرسمية حاجزاً واضحاً لعلاقتها بالحرب، وهي عملية تهجير أهل غزة نحو الأراضي المصرية، هذه النقطة التي في سبيلها تمايل الموقف يميناً ويسارا طوال الشهور الماضية، حيث ترى الدولة المصرية عملية النزوح هذه كارثة حقيقية على أمنها واستقرارها في وقت شديدة الصعوبة على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

والآن، اقترب هذا الحاجز من الانهيار، بعد اقتراب إسرائيل من تنفيذ عملية اجتياح عسكري لمدينة رفح، التي تضم أكثر من مليون فلسطيني، والتي بلا شك ستكون سبباً في حدوث هذا النزوح الجماعي الفلسطيني نحو مصر، والذي من شأنه توسيع الحرب وإطالة أمدها، والذي هي الرغبة الأولى لرئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، لضمان بقاءه في السلطة.
هذا الخطر المحدق الذي يضرب مباشرة في عصب استقرار وأمن مصر أعطى الجانب العسكري والاستراتيجي القوة الكافية للضغط على كل مراكز القوى السياسية للتركيز على جانب واحد وهو محاولة إيقاف الجنون الإسرائيلي، ووقف عملية اجتياح رفح، بداية من الصفقة التي تطرحها مصر الآن لتبادل الأسرى، والتي من شأنها إلغاء عملية اجتياح رفح، والتي في سبيلها ستقوم بالضغط على حركة حماس بكل شكل، وكذلك على الجانب الآخر تضغط على إسرائيل لقبول الصفقة، بداية من التلويح بتجميد معاهدة السلام، وحتى تصوير أعلى قيادة سياسية في الدولة، والمعروف بعلاقته الوثيقة مع الجانب الإسرائيلي، وهو يشاهد الضباط يتدارسون الجيش الإسرائيلي واحتمالات التعامل المباشر معه، لعل ذلك يكون ضاغطاً بقدر كافٍ على المجتمع الإسرائيلي ومؤسساتها الأمنية والعسكرية ونظيرتها الأمريكية لوقف سيناريو الاجتياح.