محاولات لخفض التوتر بين مصر وإسرائيل بعد اقتحام معبر رفح
احمد عابدين
في السابع من مايو الجاري اقتحمت الدبابات الإسرائيلية الجانب الفلسطيني من معبر رفح، حيث تم بث مشاهد لتلك الدبابات وهي تدهس كلمة “مرحبا بكم في غزة” وتقوم برفع العلم الإسرائيلي مكان العلم الفلسطيني، وكذلك مشاهد لدبابات أخرى وهي تتجول فوق محور “فيلادلفيا” رافعة العلم الإسرائيلي أيضاً.
رغم الأخبار التي ترددت عن التنسيق الإسرائيلي مع مصر أو حتى اطلاعها فقط على تلك الخطوات مسبقاً، إلا أن هذه المشاهد أدت لتغير كبير في الموقف الرسمي المصري تجاه إسرائيل، منها ما تم تسريبه عن التراجع عن التفاهمات المشتركة حول العمليات في رفح، وأخر إعلامياً عبر برامج معروف عنها قربها من الأجهزة المصرية، وأخرى رسمية مثل إعلان الخارجية المصرية نية القاهرة الانضمام لجنوب افريقيا في دعواها ضد إسرائيل في قضيتها ضد تل أبيب أمام محكمة العدل الدولية التي تتهمها خلالها بارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة.

لماذا تم اجتياح رفح؟
في البداية، من المهم بمكان معرفة دوافع إسرائيل لتلك العمليات، والتي أعلنت أنها تهدف إلى تدمير الكتائب الستة الأخيرة لحركة حماس، وممارسة الضغط العسكري عليها لتحرير الرهائن، بينما يرى الدكتور سيد غنيم، زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية (أكاديمية ناصر العسكرية سابقاً)، أن إسرائيل تهدف للسيطرة على محور صلاح الدين (ممر فيلادلفي) وليس مجرد رفح أو مهاجمة 4 كتائب في رفح
ويضيف الأستاذ زائر بالناتو والأكاديمية العسكرية الملكية ببروكسل بأن سيطرة إسرائيل على معبر رفح ذات مغزى رمزي ومعنوي، وذلك لرمزية المعبر للفلسطينيين ومصر بشكل عام كمعبر دولي يخضع لاتفاقية المعابر الدولية، وبشكل خاص يعتبر رمز لقوة وسيطرة حركة حماس، بصفتها المسيطر الحقيقي على المعبر الفلسطيني، كم أن السيطرة عليه تعني السيطرة على نقطة الدخول والخروج الرئيسية مع مصر، والسيطرة الكاملة على وصول المساعدات للفلسطينيين، القبض على شريان حياة لهم، كما أنه ربما للإيحاء الرمزي للسيطرة والاحتلال العسكري للمعبر أمام الداخل الإسرائيلية وبما يبعث الطمأنينة بقرب انتهاء العملية العسكرية باعتبارها النصر النهائي ــ والمراوغ حتى الآن ــ قبل التنازلات في المفاوضات، وأمام السلطة الفلسطينية وحماس ومصر والعالم وبما يظهر إصرار إسرائيل على إظهار القوة
ويوضح اللواء السابق بالجيش المصري أن إسرائيل ترى في الوصول لرفح هو خنق لعملية تقديم الأسلحة والأموال إلى حماس من اتجاه مصر، وحرمان عناصر الفصائل الفلسطينية من الهروب نحو سيناء، إنشاء منطقة عازلة يتم تأمينها بالقوات لتكون منطقة انطلاق لتلك القوات لتصفية جيوب المقاومة في محيطها شمالاً وشرقاً وغرباً، ثم تأمين تلك المنطقة العازلة إليكترونياً فيما بعد، وربما استراتيجياً لقطع الطريق على ايران من محاصرة إسرائيل من الجنوب حيث قطاع غزة وهي الاتجاه الوحيد المتبقي بعد الحصار الإيراني شبه الكامل لها من جميع الاتجاهات.

الرد المصري
كل تلك السيناريوهات المتوقعة من السيطرة الإسرائيلية على معبر رفح وفصل مصر عن قطاع غزة، والذي يحرمها من جزء كبير من تأثيرها الاستراتيجي والإقليمي، كما يعرضها لمخاطر عدة، أهمها أنها ستصبح رهينة التصرفات الإسرائيلية داخل القطاع وتوابعها على مصر، مما دفع القاهرة لتغير ملحوظ في تعاملها تجاه الحرب في غزة وخاصة في علاقاتها مع إسرائيل على محاور متوازية.
بشكل غير رسمي، تغيرت اللهجة الإعلامية التي يتم التحدث بها عن الحرب، حيث ذهب عمرو أديب، أحد المذيعين المقربين لأجهزة الاستخبارات المصرية لتوجيه الانتقادات اللاذعة لممارسات الجيش الإسرائيلي، والتعبئة الشعبية للمشاهدين المصريين ضد تلك الممارسات، قائلاً للجمهور المصري “إذا لم تغضب وأنت ترى الدبابة الإسرائيلية في المعبر الفلسطيني رافعة العلم الإسرائيلي، فقد ماتت بداخلك أشياء كثيرة”. والأبعد من ذلك كانت الإشادة بأفراد المقاومة الفلسطينية الذين وصفهم أديب بأنهم أصحاب الفضل فيما حققته القضية الفلسطينية دولياً حتى الوصول إلى تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة بحصول فلسطين على عضوية كاملة بالهيئة.
أما الإعلام المصري شبه الرسمي والذي تعبر عنه قناة القاهرة الإخبارية فقد أشارت إلى دور مصر فيما حدث في رفح، والذي تمثل في “تفاهمات” بين الطرفين حول العملية، والذي هو أقل مما يمكن وصفه بـ “التنسيق”، ونقل ما أذاعه الإعلام العبري عن تراجع مصر عن تلك التفاهمات.
أما على المستوى الرسمي، فقد ذهبت القاهرة بعيداً في خلافها مع تل أبيب، فبعد بيانها الأول الذي أدانت فيه العمليات العسكرية في مدينة رفح واستيلاء الجيش الإسرائيلي على الجانب الفلسطيني من المعبر، أعلنت الخارجية المصرية في بيان رسمي لاحق عزمها التدخل إلى جانب جنوب افريقيا في دعوتها ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية والتي تتهمها فيها بارتكاب أعمال إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني في غزة.
رد الفعل المصري هذا على العمليات العسكرية الإسرائيلية في رفح يأتي منسجماً مع الموقف الأمريكي الذي قررت إدارته تعليق توريد بعض الأسلحة والذخيرة لتل أبيب لنفس السبب، مما أحدث خوفاً متصاعداً داخل المجتمع الإسرائيلي من فرض حصار على تل أبيب وتحولها لدولة منبوذة خاصة من داعمها الأول، الولايات المتحدة، أو حلفائها المقربين في القاهرة وعمّان.
يقول الباحث السياسي الدكتور محمود هدهود “لم تبدأ القوات الإسرائيلية هجومها على معبر رفح دون إخبار مصر على الأرجح، لكن هذا الإشعار الذي قامت إسرائيل بإرساله لمصر لم يشر إلى سيطرة إسرائيلية طويلة على المعبر أو تواجد قوات مستقرة في محور صلاح الدين، وإنما أشار فحسب إلى عملية محدودة للتأكد من عدم استخدام الفصائل الفلسطينية لمحيط المعبر في أنشطتها العسكرية.
ويضيف قائلاً إن “انتهاك القوات الإسرائيلية لهذا التفاهم، ورفع الأعلام الإسرائيلية في اشارة إلى استقرار السيطرة الإسرائيلية على المحور أزعج مصر، ثم تحول الانزعاج إلى غضب مع صدور تصريح إسرائيلي عن نية دولة الاحتلال في تسليم المعبر لشركة أمنية أمريكية لإدارته، وقد مثلت السيطرة الإسرائيلية على معبر رفح ضربة متعددة المستويات لمصر:
فأولا: هو انتهاك للتفاهمات الأمنية المرتبطة بمعاهدة السلام تظهر الدولة المصرية في موقع الضعف والعجز عن الرد على الانتهاكات الإسرائيلية
ثانيا: تهديد النفوذ السياسي والاقتصادي لمصر في قطاع غزة وهو من بين الأسهم السياسية القليلة جدا المتبقية للدولة المصرية في سياساتها الخارجية، ويمثل تفريطها فيه تهديدا مباشرا لأهمية مصر الاستراتيجية وقدرة النظام الحاكم فيها على استثمارها.
ثالثا: أصبحت الأنظمة العربية تدرك أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لم تعد تتمتع بنفس النفوذ الدولي الذي كانت تتمتع به سابقا، والذي كانت الدول العربية تخشاه وتحاول الاستفادة منه في نفس الوقت عبر إقامة علاقات ودية مع تلك الحكومة، لذلك أصبحت الأنظمة العربية ومن بينها النظام المصري مستعدة للصدام مع تلك الحكومة مستفيدة من حالة السخط العالمية عليها، واستثمار هذا الصدام سياسيا في الداخل.
محاولات خفض التوتر
وفي مسعى لخفض التوتر، زار وفد أمني إسرائيلي قاده ممثلون عن الشاباك، يوم أمس الأربعاء، العاصمة المصرية القاهرة، حيث عقد اجتماعات مع المسؤولين المصريين في محاولة لتخفيف حدة التوتر في العلاقات الثنائية، حيث قال مسؤول إسرائيلي، تحدث لموقع “واللا” العبري، إن “وفدا أمنيا إسرائيليا يقوده كبار المسؤولين في الشاباك توجه إلى القاهرة لإجراء محادثات مع كبار المسؤولين في المخابرات العامة المصرية، في محاولة لحل الأزمة المحيطة بعملية الجيش الإسرائيلي في رفح وإغلاق معبر رفح، وذلك بعد أن أفادت صحيفة “وول ستريت جورنال” نقلا عن مسؤولين مصريين، بأن مصر تدرس خفض مستوى علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل؛ وأشارت المصادر إلى أن الأزمة الحالية بدأت عندما أخطرت إسرائيل مصر، قبل ساعات فقط من شنها العملية العسكرية وسيطرتها على معبر رفح، الأسبوع الماضي.